هشام جعيط
133
نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "
كانت صغيرة ( لم تتجاوز ثلاث حجرات ) فليس من المعقول أن تتكدس الدور في قطيعة لا يزيد عرضها عن 32 مترا . كان للعرب تقليد المعسكر ، وقد لاحظ فوق ذلك مخططوهم وعايشوا في عين المكان بنية المدائن المجالية . فبعد قبول فكرة هندسية المظهر الأولى ، يبقى من المرجح أن الزقاق كان يقسم القطائع قسمين في اتجاه الطول ، مثله في ذلك مثل سلسلة السكك السابق وصفها . لكن ليس من شك في وجود أزقة عمودية لضمان الاتصال « 1 » . وبذلك نصل أخيرا إلى نسق حقيقي مرتب من المناهج الطولية التي عليها رصفت الدّور ، كما كانت الخيام تصف في مخيمات البدو ، الواحدة تلو الأخرى . وفي أدق قطيعة من قطائع السكنى ، بمعنى نصف القطيعة عرضا بعد طرح الزقاق ، لا شك أن الدور أقيمت أزواجا ، مع خلاء طفيف فاصل ، أو أنها كانت متلاصقة لا غير . نجد الشيء نفسه من وراء الزقاق ، وعلى النصف الثاني من القطيعة ، وقد ذكر الشيخ علي الشرقي في دراسته المنشورة بمجلة الاعتدال لعام 1932 ما يلي : « وكان العرب أول هبوطهم إلى العراق ينزلون الشواطىء من الريف والسواد ويبنون بشكل هندسي مكون من خيمتين خيمتين وإذا طغى النهر ارتفعوا عن الشواطىء ملتجئين إلى المخيمين الكبيرين البصرة والكوفة » « 2 » . إنه خبر ثمين مستمد على الأرجح من مدونة شيعية مجهولة لدينا . وقد نقله هذا الرجل النجفي الأصيل والمطلع على العوائد البدوية . ونحن نقتبس منه البنية التماثلية المتزاوجة للدور . ولنضف أنه كان لماسينيون تخمين باصطفاف الخيام ، لكنه افترض أنها كانت تراكب المناهج أو حتى تكونها ، وهو أمر لا يمكن قبوله « 3 » . وبخصوص عشائر همدان
--> - مطاردا ، فكان الفتيان « يدلونه » عبر الأزقة لبلوغ النخع . هذا في سنة 51 ه . لكن القضية برمتها ترمي إلى معرفة ما إذا كان أبو مخنف لم يعكس رؤيته للكوفة العتيدة . ( 1 ) لا بد أن تقاطع المناهج كان يتم على شكل زاوية قائمة لأن البناء كان من آجر ، كما في المدن القديمة في بلاد الرافدين . وعلى هذا النحو ، نصل إلى مخطط شبيه بالشبكة . ( 2 ) ذكره البراقي ، تاريخ الكوفة ، ص 118 . هل أن « قرار البناء » الممهد لتخطيط المدينة الذي تحدث عنه سيف شمل كافة الدور في واقع الأمر ؟ ألم يكن بالأحرى قرارا عاما انطبق على القصر والمسجد ودور الطبقة الأرستقراطية ، لا على جمهرة المهاجرين ؟ المرجح أن هؤلاء قد استمروا على العيش تحت الخيام وفي خصاص من قصب . يذكر ابن سعد بكل تأكيد أن في خلافة علي ( 36 - 40 ه ) « عامة الكوفة يومئذ لأخصاص » ج 6 ، ص 238 . ( 3 ) . op . cit . , p . 38 كانت المناهج مبنية باللبن كما ذكر ماسينيون نفسه وعلي الشرقي ، وكما أكده سيف خاصة ، فذكر عبارة « بنوا مناهج » . إن عبارة « جدران صغيرة من آجر » صالحة ، لكنها توحي بفكرة الفصل الدقيق بين الخطط القبلية ، وأن الخطط ذاتها محصورة بين المناهج .